الملحق الاسبوعي: كلمات

العدد ٣٣٠٤ | كلمات

سركون بولص في باريس 1990 (بالاذن من «منشورات الجمل»)

بصرف النظر عن فرادة تجربة سركون بولص (1944- 22/10/2007) الشعرية والحياتية، إلا أننا نحب الشعراء الموتى، أولئك الذين غادروا باكراً، وتركوا لنا قصائدهم مثل تعاويذ تحمي أرواحنا من العطب، حين نكون «على حافة المتاهة». نفتّش عن «أسمال» جان دمو بوصفها كنزاً شعرياً، الشاعر الصعلوك الذي مات في مصحّة، في مدينة سيدني الاسترالية، ونستعيد قصائد الشاعر السوري رياض الصالح الحسين الذي مات باكراً، بقصور كلوي، كما لو أنه اكتشاف متأخر لحلم مجهض. وقبله فجعنا بالموت التراجيدي للسيّاب، وكذلك الشاعرة دعد حدّاد التي ماتت بعد رحلة تشرّد، في مستودع مطبعة، والرحيل المباغت للشاعر بسّام حجّار. كأن الموت وحده هو الذي يمنحنا شرعية الاحتفاء والافتنان بنصوص الراحلين. كل هؤلاء أو معظمهم ظلّت تجاربهم في إطار التأريخ النقدي، من دون أن تخترق أسوار الحشود، وربما تكمن أهميتها هنا، في تلك المنطقة الاستثنائية للشعر الصافي، لا الانزلاق إلى ما هو خارجها.

العدد ٣٣٠٤ | كلمات

عشر سنوات مرّت على رحيل سركون بولص. أتذّكر العام الأخير من حياة سركون. كنّا معا مدعوّين إلى مهرجان الشعر المتوسطي في لوديف جنوبي فرنسا. لا أعرف لماذا اختاروا لسركون المريض مبيتاً في فندق بعيد عن المدينة. كان على سركون أن يعود باكراً في باص مخصّص لهذه الغاية وإلّا استحال عليه أن يجد مرقداً له. لم يكن سركون من الذين ينضبطون بتعليمات كهذه، فكان يتّأخر عن الباص فيتدبّر لمبيته مكاناً في أحد البيوت التي كنّا ننزل فيها ضيوفاً على لوديف.

العدد ٣٣٠٤ | كلمات

في صيف 1992، فيما الحصار، الحصار الدولي، قد بدأ يقصف بمنجنيقاته أسوار المدينة، حصلتُ على زادي، حصتي من الهواء والخبز، وهو عبارة عن نسخة مصوّرة، بسرّية تامة، من مجموعة سركون بولص الثانية: «الحياة قرب الأكروبول» [دار توبقال، 1988]. لا أستطيع أن أجزم أن هذه المجموعة كانت سبباً في هجرتي من العراق، لكنها — إضافة إلى مجموعة «الوصول إلى مدينة أين» — كانت معي، أنيستي، أينما حللت، بنسختها المصوّرة، والتي اسمرّ لون أوراقها، وبدأت تفقد جملٌ كثيرة منها ملامحها ككتابة، لكن... لا يهم، فقد أكلتها، وتمثلتها، حتى أصبحت جزءاً مركزياً من ذاكرتي القرائية، وبشكل لا يمكن إنكار تأثيره الخلّاق في شِعري.

العدد ٣٣٠٤ | كلمات

كن بخير صديقي سركون، وسوف أكون غريباً في العالم مثلك

في المدينة التي تطرق أصواتها أذني، تقودني الى البدايات القصية لمواجهة ذاتي في الأماكن بصفتها شكلاً للتفكير. وهذا ما يجعلني في مقابلة بين نمطين من التفكير، وأقصد نزعة التمدن التي فرَّغت الحضارة من كينونتها وتحولت المدن بسبب ذلك الى تجمعات بالصدفة لا يربطها دم أو ثقافة أو روح، فأصبح الإنسان عقيماً على حد قول شبنغلر.

العدد ٣٣٠٤ | كلمات

تسلم امبراطور الروم رسالة عجائبية منتصف القرن الثاني عشر، مرسلها ملك الملوك برستر جون الذي راسله البابا إسكندر الثالث. في تلك الرسالة أسطر حول نمال عملاقة، ونهر دافق من الأحجار، وبحر من الرمل تسبح فيه أسماك حية، ومرآة شاهقة تعكس كل ما يدور في المملكة التي حوت «عين الحياة» أيضاً، وتاخمت الجنة، وكان كل أهلها مسيحيين فُقدوا بين مسلمي المشرق وكفَّاره. ألهمت تلك المرآة العملاقة العديد من القصص الأوروبية في القرون الوسطى وعصر النهضة.

العدد ٣٣٠٤ | كلمات

عشرة أعوام على رحيل سركون بولص، وما من شاعرٍ عراقي منذ السياب احتفظ بمثل هذا الحضور بعد رحيله. فقد ظلَّت كتابات سركون تأتينا وهو في العالم الآخر، إذ كشف رحيله عن غزارة مطمورة، فلا يكاد يمرُّ عام منذ رحيله حتى الآن دون أن يصدر له كتاب جديد، في الشعر أو القصة أو الترجمة أو المقالة. نشرتها «دار الجمل» بعد رحيله ولا تزال. بينما كان مقلاً بالنشر في حياته، فقد اعتنى بفوضاه بشكل جيد!

العدد ٣٣٠٤ | كلمات

مع سركون بولص ليس أعذب الشعر أكذبه كما كانت تقول العرب، بل أعذب الشعر وأجمله أصدقه دون شك، هذا الشاعر الذي ولد لأب آشوري كان يصلي ويكلّم الرب بلغة أجداده وأم موصلية تتحدث العربية بعذوبة ظل صداها في أذن الشاعر سنوات طويلة، بالإضافة إلى أنها تتكلم آشورية الكلدان. فكتب هو بلغة عربية نقية من كل الشوائب خالية من الأيديولوجيا والسياسة والكذب ومن الزخارف البلاغية المزيفة، لرجل كان يعتبر موقف الشاعر من اللغة موقفاً سياسياً، وترجم من وإلى الإنكليزاية مئات القصائد.

العدد ٣٣٠٤ | كلمات

(بورتريه للشاعر العراقي في آخر الزمن)

«هو الذي بدأ بالتيه في العشرين/ لم يجد مكاناً يستقر فيه حتى النهاية»
«بولص، توفو في المنفى»
أين سركون بولص؟
ليس الجواب بسيطاً البتّة.
جسده مسجّى منذ عقد أو أقل بقليل في مقبرة تورلوك في ولاية كاليفورنيا. ويقال إنه كان يرغب بأن يدفن في برلين، التي أحبّها وعاش فيها وكان يهرب إليها، لكن رغبته لم تتحقق. ولعلها مفارقة شعرية: أن يهاجر جسد الشاعر (أو يهجّر) هجرة أخيرة، بعد موته، إلى اللامستقرّ. إلى أبعد الـهناكات.

العدد ٣٣٠٤ | كلمات

من سلسلة«أنا يوسف» للفنان العراقي نزار يحيى (مواد مختلفة على ورق صيني على كانفاس ــ 2011)

رجلٌ خلف ستارة

ماذا يملأُ عينيْ رجلٍ
مريضٍ بالقلبِ خلفَ ستارتهِ
عندما يَرى
طفلتينِ تلعبانِ في أرجوحةٍ
ويسمعُ صوتَهما
الشبيهَ بالغناءِ عندَ الغسق
مختلطاً بصريرِ سلسلةٍ
صدئة ...

العدد ٣٣٠٤ | كلمات

الليل

لا ينفعُ أنْ نَتَحرّكَ في إبطِ قصيدةْ
فعراءُ الليلِ يداسُ ويغتصبُ
صهريجُ الحلمِ يقوَّضُ فوقَ الرأس
ونهدُ تمارا، جارتِنا، خشبُ
وعيونُ أبي في عقلي تنتحبُ:
هذا البحرُ وأسطورتُهُ
هذا الليلُ لهُ سبب!

العدد ٣٣٠٤ | كلمات

سأروي لك حُلمَ البارحة

حلُمٌ طاردني
وانفتحتْ فَوقي مثلَ جناحٍ
شفتاهُ. ركعتْ فوقَ الماءِ
الغاباتُ
وارتجفتْ أيّامي وسجدْتُ
طويلاً تحتَ فضاءِ غنائي
الصامتِ، وانحدرتْ نحوي الأصواتُ
تائهةً، من كلِّ فمٍ كانَ يناديني
ويُتابعُ بين الأنهارِ رحيلي
مختبئاً في جُحرٍ
أو في جسدِ امرأةٍ
تخرجُ من بيتٍ
في أقصى الأرضِ، وتسعى
للقائي.

العدد ٣٣٠٤ | كلمات

ترجمة: رشيد وحتي
الشاعر يتعامل مع الزمن؛ ذلك أن كل تلك الإكراهات العروضية وتعقيدات الموسيقى والصوت ليست سوى طرائق لقياس الزمن، قطرة قطرة، إثر انسيابها من بين أصابعه وتبخرها هباء." فالقطرة التي لا تستحيل نهرا تلتهمها الرمال"، كما يرد لدى غالب في إحدى غزليات. حينا بعد حين، نكتشف أننا عندما نكتب، إنما نتذكر حقا، لا الماضي بحد ذاته، لا شخصا أو مكانا، مشهدا أو صوتا أو أغنية، وإنما نتذكر، أولا وأساسا، كلمات.

العدد ٣٣٠٤ | كلمات

وُلِدت بالقرب من بحيرة الحبّانية، وأذكر أنّ أمواجها الخاملة كانت، عند الفجر، وهي تنسحب، تخلّف أسماكاً صغيرة تتراقص على الرمال محاولة اللحاق بالموج. كنت ألتقط بعضها وآخذه إلى أمي لتطبخه. تجوّلت كثيراً وأنا طفل في التلال الصخريّة القريبة، هرباً من البقاء في البيت.

العدد ٣٣٠٤ | كلمات

مختارات شعرية *

توزيعُ الحصص

كان الجنودُ مُتعبينَ، يجلسونَ على الحجارة.
كانت المرأةُ تحدِّقُ من النافذة، الظلامُ يشتدُّ
كنا نحلمُ – قالت – بالنصرِ، أو على الأقلِّ بالهزيمة
بهزيمةٍ كاملةٍ ليسَ حتَّى ذلك. لا شيء. هو
الذي اعتادَ أنْ يحشو عروقَهُ بزُجاجٍ مكسور
هناكَ عندَ المنضدةِ، يداهُ ملفوفَتانِ بالضمادِ، ها هو ذا،
يوزِّعُ حِصصَ الخبزِ ويتدبَّرُ أمرَهُ بحيثُ تكونُ حصَّتُه
هي الأصغر. فيما بعد سيلفُّ السكينَ فيها حدّ الضمادين
بحرصٍ فائقٍ ومقدَّس، بانتظارِ أنْ نسألَهُ كما يبدو
بالضبطِ عن هذا، دونَ أنْ يعرفَ كيفَ يُجيب.

العدد ٣٣٠٤ | كلمات