العالم يتخلى عن النقد...



يبدو وكأن الفصل الوحيد بين "الحاضر" و"المستقبل" بات محصوراً في المعجم. هناك فقط يمكن التمييز بين الزمنين. أما في الواقع فالاندماج ما بين الاثنين يزيد يوماً بعد يوم. هجمة من المستقبل نحو الحاضر أو ارتماء لهذا الأخير في حضن المستقبل، لا يهم. الأكيد أننا نعيش في المستقبل. لم يعد لأي جديد رهجة إذ بات يولد قديماً. وهذا حال البطاقات المصرفية. فبعد أن كانت ولا تزال تعد تطوراً ثورياً في مجال التعامل المالي والمصرفي أصبحت عرضة لهجمة شرسة من وسائل دفع أكثر "حداثة" تغني عن استخدام البطاقة في الاساس.

لكن ومهما تعددت الوسائل فالضحية واحدة وهي النقد. أكان من خلال البطاقات أو غيرها من طرق الدفع الرقمية فالهدف و الوصول إلى مجتمع خالٍ من النقد. فإلى أي مدى هذا الهدف واقعي وما هي حسنات وسيئات مثل هكذا احتمال لو أصبح واقعاً؟
تكشف الاحصاءات أن 85% من المعاملات المالية حول العالم لا تزال تتم من خلال النقد. يبقى النقد مهيمناً وبقوة... حتى الآن. فكما سبق وأشرنا فإن سرعة التطورات كفيلة بأن تجعل من هذه النسبة غير ذات قيمة في المستقبل القريب. ففيما لا يزال النقد هو الوسيلة الأكثر استخداماً إلا أنها ليست في تصاعد لا بل في تراجع مقابل وسائل الدفع الأخرى.

تطور الدفع الرقمي

وفقاً لتقرير World Payments report 2017 "ارتفعت المعامالات غير النقدية العالمية بنسبة 11.2٪ خلال الفترة 2014-2015 لتصل إلى 433.1 مليار معاملة، مسجلةً أعلى نمو في العقد الماضي. وقد كان هذا النمو مدفوعاً بدرجة كبيرة من خلال الاسواق النامية التي سجلت زيادة بنسبة 21.6% عام 2015". ويظهر التقرير أن "بطاقات الدفع وبطاقات الائتمان كانت أكثر أدوات الدفع الرقمي استخداماً. وقد سجلت بطاقات الدفع الحصة الأكبر من معاملات الدفع غير النقدي بنسبة 46.7% عام 2015 تليها بطاقات الائتمان بنسبة 19.5%. من ناحية أخرى سجلت المعاملات عبر الشيكات تراجعاً مستمراً إذ بلغ معدل هبوطها نسبة 13.4% على مستوى العالم".
وكما يظهر الرسم البياني أدناه فإن النمو المتوقع للدفع الالكتروني وللدفع من خلال الهواتف الذكية حتى عام 2020 يكشف مدى جاذبية وسائل الدفع هذه ونموها المطرد. فالتوقعات تشير إلى أن معدل النمو السنوي المركب للدفع عبر الهواتف الخلوية سيزيد ما بين عامي 2015 و2019 بنسبة 21.8% ولوسائل الدفع الالكتروني بنسبة 17.6%.
في السياق عينه وإن كانت أمثلة محصورة ببعض الدول غير كافية لإعطاء لمحة شاملة على مستوى العالم نظراً للفروقات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية بين الدول والمجتمعات إلا أن بعض الحالات كفيلة بإعطاء لمحة عما هو قادم.
ففي المملكة المتحدة انخفضت نسبة التعاملات بالنقد إلى 47% عام 2015 بعد أن كانت 58% عام 2011، وفي الولايات المتحدة تمثل المعاملات النقدية نسبة 32% من مجمل المعاملات مقابل 27% لبطاقات الدفع و21% لبطاقات الائتمان وفي كوريا الجنوبية فمن المقرر أن يتوقف استخدام العملات المعدنية ابتداءً من عام 2020. أما المثال الابرز على مستوى العالم من حيث تطور وسائل الدفع الرقمي والتخلي عن النقود فهي السويد حيث انخفضت نسبة التداول بالنقد بنسبة 44% منذ عام 2010. وقد وصل الحال في السويد إلى أن العديد من المحلات التجارية لم تعد تقبل التعامل بالنقود. حتى التبرعات الكنسية وللمشردين يمكن أن تتم عن طريق الدفع الالكتروني.
وفي مؤشر لافت عن مدى رغبة المؤسسات المالية الكبرى للوصول إلى مجتمع خالٍ من النقد وتعميم هذه الثقافة قدمت شركة VISA العالمية في شهر تموز المنصرم عرضاً إلى عدد محدد من المطاعم والمقاهي والمتاجر يبلغ 10 آلاف دولار نقداً مقابل تخليهم عن استقبال الدفع نقداً والاعتماد فقط على الدفع الالكتروني من خلال البطاقات المصرفية أو الهواتف الخلوية".

حسنات وسلبيات

للمجتمع الخال من النقد إيجابيات كثيرة، كما وأنه لا يخلو من سلبيات ومخاطر. في حديث مع "الأخبار" كشف رئيس قسم المنتجات الناشئة والابتكار في دول أوروبا الوسطى والشرقية، الشرق الأوسط وأفريقيا في «فيزا» هادي رعد أن الشركة العالمية "أجرت دراسة شملت أكثر من 70 دولة ربطت بين نسبة الاختراق للمدفوعات الرقمية في بلد معيّن مع النمو في إجمالي الناتج المحلي، إضافة إلى توفير فرص عمل إضافية. وتبين بحسب الدراسة أن كل نقطة إضافية في المدفوعات الإلكترونية تنتج عنها زيادة في فرص العمل بنسبة 0.2%".


إحدى الإيجابيات المهمة للدفع الرقمي هي الفرص التي تتيحها من حيث التوسع في الأعمال. فأي صاحب مصلحة أو متجر وليس بالضرورة إلكترونياً يرغب بتوسيع قاعدة زبائنه سيلجأ إلى تطوير طرق دفع رقمي للوصول إلى أسواق خارجية. كما أن سرعة الخدمة تلقائياً أسرع عن طريق المدفوعات الرقمية ما يوفر الوقت الذي قد يستغرقه التعامل مع الزبائن.
أيضاً التخلي عن النقد يساعد الحكومات على مكافحة التهرب الضريبي ومراقبة حركة الأموال والتعاملات بشكل دقيق. كما أن التخلي عن النقد سيعقد أعمال الجريمة المنظمة والتجارة في السوق السوداء إذ أنه سيكون بمقدور الشرطة والمؤسسات المختصة متابعة أي نشاطات مالية مريبة بشكل دقيق.
من ناحية أخرى تبقى هنالك العديد من المخاوف فيما يختص بالوصول إلى عالم خال من النقد. إحدى أبرز هذه المخاوف تكمن في إمكانية تهميش فئات ضخمة من الناس وتحديداً الفقراء وسكان الدول النامية حيث لا تزال نسب الذين لا يتعاملون مع مؤسسات مالية كبيرة جداً إضافة إلى أعداد الذين لا يزالون على هامش التكنولوجيا ولا يملكون هواتف ذكية. فوفقاً لإحصاءات البنك الدولي تقدر أعداد الناس الذين لا يملكون حسابات مصرفية على مستوى العالم بحوالى 2 مليار شخص، وهو رقم مهول رغم التحسن البارز في النمو حيث قفزت نسب الذين باتوا يملكون حسابات مصرفية في الدول النامية 13% بين عامي 2011 و2014 لترتفع من 41% إلى 54%.
كذلك هنالك تساؤلات عديدة حول الأمان في حال الاعتماد فقط على وسائل دفع رقمية والأهم هو الخصوصية نظراً إلى أن أبسط تعاملات البشر ستصبح مكشوفة ويمكن تتبعها، مع توقعات بزيادة محاولات القرصنة كلما تطورت وسائل الدفع الرقمي خاصة أن حكومات دول كبرى ومؤسسات عالمية ضخمة لم تنجح في تأمين بياناتها بشكل مطلق.
يضاف إلى ما سبق أن استخدام وسائل دفع حديثة من خلال الهواتف الذكية أو الساعات وغيرها يطرح مسألة مدى عملية هكذا وسائل في حال مثلاً نفاد بطارية الهاتف، أو الوجود في مناطق لا تؤمن الأدوات المناسبة للدفع الرقمي، إضافة طبعاً إلى توافر الانترنت وسرعته وانتشار الصرافات الآلية...
نقطة محورية أيضاً تتمثل في أن الكثير من الدراسات العالمية تؤكد أن استخدام البطاقات المصرفية ووسائل الدفع الرقمي بدلاً عن النقد تؤدي إلى زيادة الانفاق بشكل ملحوظ وبدون ضوابط.


للصورة المكبرة انقر هنا

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: comments@al-akhbar.com