حشوات الأسنان: مادة سامة في فمنا؟


هبة سلامة

«بدّك حشوة كومبوزيت أو بورسلين؟». لا تستغرب إن سألك طبيب الأسنان هذا السؤال عن «حشوة أسنانك». فالسؤال دونه «كلفة»، لذلك عليك أن تختار ما يناسب قدرتك على الدفع ببساطة. فقد عرف طبّ الأسنان أنواعاً عدة من الحشوات، كتلك التي تحتوي على الذّهب أو تلك التي تدخل فيها المواد البلاستيكيّة أو الزّجاحية أو البورسلين، حتى كان آخرها الحشوة التّجميليّة أو البيضاء والمعروفة باسم الكومبوزيت ريزين) composite resin).

ولكن، أكثر ما يثير الجدل فيها كانت الحشوة الفضيّىة ذات اللّون الأسود، المعروفة باسم الأملغم (amalgam)، برغم كلفتها المرتفعة نسبياً. أما السبب؟ فيتعلّق بالزئبق، أحد مكوّنات هذه الحشوة، والذي تتراوح نسبته ما بين 30 إلى 70%. لكن، ما الذي يجعله بكل هذه الخطورة؟
تتحدّث تّقارير طبيّة عدة عن مخاطر الحشوة الفضيّة، والتي يستخدمها أطبّاء الأسنان لملء فراغ في السنّ أو الضّرس ناجم عن تسوّس أو تجويف أو شقوق، باعتبارها تحتوي على نسبة كبيرة من المادّة السامّة، الزّئبق. وبحسب دراسة أجراها باحثون من جامعة جورجيا، فإن تحليل الدّم للأفراد الذين يملكون ثماني حشوات فضّية أو أكثر أظهر وجود مادّة الزّئبق بنسبة أكثر بـ 2.4 مرّة من أولئك الذين لا يملكون حشوات. كما وجدت دراسات أخرى أن «كمية انبعاثات الزئبق الموجودة في الأملغام تتراوح بين 1 لـ3 ميكروغرام في اليوم، على أقل تقدير، وتصل إلى حدود 27 ميكروغراماً، أي ما يعادل استنشاق 3% إلى 68% من الهواء الخاضع للمعايير النوعيّة المسموح بها في مكان العمل»، والتي توصي بها إدارة السلامة والصحة المهنية (أوشا، وكالة البيئة الاتحادية)، في حين حدّدت منظّمة الصّحة العالميّة أن الكميّة المسموح بها هي 1.6 ميكروغرام لكل كيلوغرام من وزن الفرد. وقد ذكرت المنظمة أن التّعرض لبخار الزئبق يمكن أن يزداد إلى خمسة أضعاف هذه النّسب بسبب عادات الأكل اليوميّة مثل طحن الأكل ومضغ العلكة وتناول المشروبات الغازية التي تتفاعل مع الحشوة.


وأكثر من ذلك، تفيد منظمة الصحة العالمية أن الزئبق المُنبعث من أجهزة الأملغم يمثل 53% من مجموع انبعاثات الزئبق في بيئتنا. وفي هذا الإطار، توصي وكالة حماية البيئة أطباء الأسنان باستخدام فواصل الأملغم للقبض على مخلفات الأملغم الزائدة واستيعابها، لتقليل نسبة الزئبق المُلقاة في شبكة المجاري! وشدّد هؤلاء على أن مخلّفات الأملغم تُصنّف ضمن خانة النّفايات الطّبية التي تُعالج بشكل خاص ودقيق.
أما الخطر الأكبر من انبعاثات الزّئبق فيكمُن وقت تحضير الحشوة. من هنا، «يجب اتخاذ كامل الاحتياطات لحظة إفراغ الكبسولة التي تحتوي على مادة الزّئبق وخلطها مع المواد الأخرى»، على ما يقول أحد أطباء الأسنان.
مقابل ذلك، يعتبر عدد من الأطباء أن مادّة الأملغم تحتوي على نسب مدروسة من الزّئبق بما لا يعرّض حياة المريض للخطر، معتبرين أن الضّجة الإعلاميّة حول خطورتها هي مجرّد دعاية سلبيّة. في ضوء هذا، يقول هؤلاء بأنّ الزّئبق كمادّة مستقلّة يعتبر سامّاً، إلّا أن فاعليّته تنخفض بشكل كبير حين يختلط مع المواد الأخرى من المعادن التي تتكوّن منها حشوة الأملغم وبالتّالي يفقد خاصّيته السُّميّة «تماماً كالزّرنيخ، المادّة التي نستعملها لقتل العصب في الأسنان، فهي بحد ذاتها أداة قاتلة، ولكن حينما تختلط مع مواد أخرى بنسب مدروسة تصبح مادّة طبّيّة مهمّة». ويستند الطبيب في ذلك إلى أنه إلى الآن «لم تُسجّل أية حالة وفاة أو تسمّم بسبب الزّئبق الموجود في حشوة الأملغم». ويعتبر أن حملة الهجوم على الأملغم شنّتها شركات التجميل التي تصنع الحشوة البيضاء التّجميلية لتسويق منتجاتها. وبرغم كون «الحشوة التّجميليّة أقل ضرراً من الأملغم، إلّا أنّها سريعة الاهتراء وذات عمر قصير وأغلى ثمناً ولا تُستخدم في جميع الحالات».

مميّزات الأملغم: محاسنها ومساوئها

تتميّز حشوة الأملغم بأنها قويّة وصلبة وتتحمّل الضغط، كما أنّها قد تعيش لمدّة 15 سنة من دون أن تتلف أو تتفتّت، وهي أرخص ثمناً من الحشوة البيضاء التّجميليّة أو الحشوة الذّهبيّة التي كانت سائدة قديماً. هذا ما يقوله معظم الأطباء، الذين يلجأون لها حين تكون الفجوة كبيرة أو حسّاسة، أي أنها الخيار الأمثل في الحالات الصّعبة. من ناحية أخرى، يضطر الطبيب أحياناً إلى إزالة جزء إضافي سليم من الضّرس أو السّن لكن تتموضع حشوة الأملغم بشكل جيّد. كما أنّ الأسنان المحيطة مباشرة بحشوة الأملغم قد يتغيّر لونها الى الرّمادي الفاتح. ولأن للمعادن المُستخدمة في الأملغم خاصيّة التّمدّد والانكماش بفعل العوامل الخارجيّة، فإن ذلك قد يؤدّي إلى تشقّق أو كسور في بعض الأسنان الأخرى أحياناً. وجمالياً، تُعدّ الحشوة الفضيّة الأقل جمالاً بين الحشوات بسبب لونها الأسود الشاذ بين باقي الأسنان. أخيراً، قد تؤذي مادّة الزّئبق بعض المرضى الذين يُعانون من الحساسيّة، والذين تقدّر نسبتهم بحوالى 6%، بحسب الإحصاءات الطبية.
تجدر الإشارة إلى أن حشوة «الأملغم» تشمل، إضافة إلى الزئبق، مجموعة من المعادن منها الفضّة بنسبة ضئيلة تتراوح بين 22 و32%، والقصدير بنسبة 14% والنّحاس بنسبة 8%.

* للمشاركة في صفحة «صحة» التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected]

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]