أزمة القروض السكنية المدعومة



تذبذب الأسواق وضبابية الآتي


أسعار العقارات مرشّحة للانخفاض أكثر خلال الأشهر القادمة (هيثم الموسوي)

شكّل قرار مصرف لبنان، تعديل آلية دعم قروض الإسكان، وردّ المصارف على هذا الإجراء بالتوقف عن منح القروض المدعومة من مصرف لبنان، وفي طليعتها القروض السكنيّة، عامل القلق الأساسي عند اللبنانيين خلال الأيام الأخيرة. وعلى الرغم من أهمية المسألة، إلا أنها ليست سوى نتاج للسياسات الاقتصادية المتبعة في لبنان، وتحديداً سياسة السكن. فالمشكلة لا تكمن في تعديل آلية الدعم، بل في أن اللبناني يجد نفسه في حاجة إلى دعم لتأمين حق من حقوقه البديهية، لكن على الرغم من الدعم المفترض، يبقى السؤال الفعلي: من هو المدعوم فعلياً؟ وهل خلف سياسات الدعم همّ تأمين المسكن للبنانيين أم دعم المطورين العقاريين ومنع هبوط الأسعار بما يخدم الدولة والمصارف والمقاولين؟

غياب سياسة سكن

ينص الدستور اللبناني في الفصل الثاني الذي يتناول حقوق اللبنانيين وواجباتهم، وفي المادتين 14 و 15 على التوالي أن «للمنزل حرمة ولا يسوغ لأحد الدخول إليه إلا في الأحوال والطرق المبيّنة في القانون» وبأن «الملكية في حمى القانون فلا يجوز أن ينزع عن أحد ملكه إلا لأسباب المنفعة العامة في الأحوال المنصوص عليها في القانون وبعد تعويضه منه تعويضاً عادلاً».
جميل. لكن قبل البحث في حرمة المنزل وحماية الملكية، يفترض توفير المسكن أولاً.

الحق في السكن مكرَّس في القانون اللبناني بموجب قانون الإسكان (1965/58) الذي ينص في مادته الأولى على أن الغاية منه «تسهيل إسكان اللبنانيين المعوزين وذوي الدخل المتواضع وذوي الدخل المحدود في مساكن ملائمة في المدن والقرى»، مبيّناً مسؤولية الدولة في هذا المجال.
المشكلة تكمن في أن المسؤولية والدولة كلمتان لا تلتقيان في لبنان. فالدولة مستقيلة من مهماتها في ملف السكن، وكل ما يجري في هذا الملف ليس «إلا خطأً بُني على خطأ» بحسب الخبير الاقتصادي الدكتور إيلي يشوعي الذي يشدد على «عدم مسؤولية السلطة النقدية في التدخل في القطاعات الإنتاجية، ومن ضمنها القطاع العقاري، بل هي من مسؤولية السلطة التنفيذية». كلام أكده حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، عقب لقائه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بعد طلب الأخير من المصرف المركزي تأمين صرف القروض السكنية التي التزمت المصارف دفعها إلى أصحاب الطلبات، حيث شدد سلامة على أن «السياسة الإسكانية ليست من اختصاص مصرف لبنان، بل من اختصاص الدولة، ودور المركزي ضخّ سيولة لتفعيل الاقتصاد وتأمين شمول مالي واسع، لكن أهدافه تبقى تحت سقف عدم حصول تضخم».
بالنسبة إلى يشوعي، مجرد طلب رئيس الحكومة سعد الحريري من الوزارات والإدارات العامة خفض موازناتها بنسبة 20% لترشيد الإنفاق، ليس إلا دليلاً إضافياً على «تخلي الدولة عن مسؤولياتها الاجتماعية وحصر دورها بدفع الرواتب والأجور».

من المدعوم؟

ما كان يفترض به أن يكون سياسة سكن شاملة ذات استراتيجيات واضحة تهدف إلى مساعدة اللبنانيين على توفير مسكن، تحوّل إلى سياسة تهدف إلى دعم القطاع العقاري من خلال منع انهيار أسعار الشقق بعد الركود الذي عرفه القطاع ولا يزال منذ عام 2011، وذلك في ظل الترابط بين كل من الدولة والمصارف والعقارات. بمعنى آخر، إن تأمين مسكن للبنانيين ليس إلا هدفاً هامشياً، أو بالأحرى مسألة عرضية في الصورة الكبيرة التي تقوم على تجنيب القطاع العقاري أزمة حادة تهدد البنيان الاقتصادي بأكمله.
تكشف الإحصاءات أنه منذ أن أطلق مصرف لبنان خططه التحفيزيّة، اعتباراً من عام 2012، بلغت حصة القروض السكنيّة من هذه الخطط نحو 70%. وفيما كان يفترض بهذه الخطط مساعدة اللبنانيين على الحصول على مسكن، تظهر تقديرات صندوق النقد الدولي عام 2015 أن «معدّل دين الأسر بات يتجاوز 45% من دخلها، بسبب ضخامة القروض السكنية وكلفتها على ميزانيات الأسر». إذاً، وقع اللبناني بين مطرقة عدم القدرة على توفير مسكن، وسندان دَين هائل يستنزفه في حال حصوله على قرض، وخاصة في ظل معدلات الأجور في لبنان.


الأنكى في الموضوع أن تدخل المصرف المركزي من خلال خططه التحفيزية أتى ليمسّ مفهوم اقتصاد السوق الذي تتغنى به المصارف والهيئات الاقتصادية في الصميم.
وبحسب الخبير الاقتصادي جهاد الحكيّم، «كان يجب ترك القطاع العقاري يصلح نفسه بنفسه، لو كنا في اقتصاد سوق لكان يجب ترك القطاع العقاري، وبالتالي في حال هبوط الأسعار وحدها لن تكون بحاجة للدعم أو قد تكون بحاجة لدعم أقل. فعندما ارتفعت أسعار الشقق لم يتدخل أحد لخفض الأسعار، لكن ما إن هبطت الأسعار حتى حصلت التدخلات». لماذا؟ لأنه ببساطة ووفقاً لصندوق النقد الدولي، إن نسبة القروض المرتبطة بالقطاع العقاري من مجمل تسليفات القطاع المصرفي تصل إلى حدود 90%.
لكن ماذا لو لم يتدخل المصرف المركزي وتركنا الأمور تسير حسب حركية قوى السوق، هل كان بمقدور اللبناني أن يشتري شقة؟ يجيب الخبير الاقتصادي غازي وزني بأنه «حتى في ظل هذه الفرضية، فالناس لن تكون لهم المقدرة على الشراء، في ظل غياب الدعم». وهنا المأساة الفعلية.

إلى أين نتجه؟

فعلياً، لم تتمكن سياسات الدعم من منع أسعار العقارات من الانخفاض، لكنها حدّت من نسبة الانخفاض. فالطلب على العقارات مثلث الأضلع، ويتوزع بين طلب داخلي، وطلب المغتربين والطلب الخليجي. ومع تراجع طلب المغتربين والطلب الخليجي، بات القطاع يتكل على الطلب الداخلي الذي لا مقدرة لديه لتغطية العرض. فبحسب الخبير العقاري رجا مكارم «منذ عام 2006 توقف الاستثمار الخليجي في القطاع العقاري والغالبية الساحقة مما يملكونه معروضة للبيع». أما المغتربون، فقد تأثروا إلى حد كبير بتراجع أسعار النفط والاضطرابات السياسية في منطقة الخليج، ما حدّ من مقدرتهم المالية.


كان يجب ترك القطاع العقاري يصلح نفسه بنفسه (هيثم الموسوي)

وفي هذا الإطار يكشف الحكيّم عن وجود دور كبير للنفط في الأزمة العقارية التي يمرّ بها لبنان، في ظل الترابط بين «أسعار النفط وودائع غير المقيمين وأسعار الشقق». ويقول استناداً إلى دراسة أعدها، إن «السوق العقاري في لبنان يتأثر بعد مرور مدة 20 شهراً من انهيار أسعار النفط التي انخفضت من 115 دولاراً للبرميل في حزيران 2014 إلى 56 دولاراً نهاية العام نفسه. وقد بدأنا نلمس انخفاضاً ملحوظاً في أسعار الشقق مطلع تشرين الأول 2016 قبل أن يتفاقم الانخفاض بحلول تشرين الأول 2017». وبالنسبة إلى الحكيّم «ستتسارع وتيرة الانخفاض مع حلول تشرين الأول 2018، لكون أسعار النفط التي سجّلت أدنى معدّلاتها (46 دولاراً) سنة 2016 سينعكس تأثيرها مع حلول تشرين الأول 2018 لتتجه الأسعار بعدها إلى انخفاض يراوح بين 50 و%55. بالتالي ما نشهده الآن ليس إلا رأس الجليد. والأسوأ سيتمظهر ابتداءً من تشرين الأول عام 2018. وإذا أخذنا معدل أسعار النفط عام 2017 حتى أواخر عام 2020، فالوضع سيواصل الانحدار».
في السياق عينه، يوضح وزني أن «الشقق التي يتخطى سعرها مليون دولار انخفضت أسعارها، ومن الصعب أن تنخفض أكثر، لكون سعرها مربوطاً بسعر الأرض ونسبة الاستثمار. أما الشقق ما دون 500 ألف دولار، فمن المتوقع أن تشهد انخفاضاً إضافياً بعد 6 إلى 7 أشهر».
من جهته، يشدد مكارم على أن «وضع المطورين صعب، وهنالك تسابق بينهم منذ نحو عامين على خفض الأسعار لكسب أكبر عدد من المشترين. وبرأيي، إن التنافس سيزداد، وبالتالي الانخفاض في الأسعار، وستزيد قدرة الناس على المفاوضة على الأسعار والشراء بالسعر الذي يناسبهم». لكن يصرّ مكارم على أنْ لا قدرة لمعرفة ما سيكشفه القادم من الأيام والأشهر، لكن استناداً إلى المعطيات الراهنة، إن «الوقت الحالي هو الأنسب للشراء».

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]