(ملحق كلمات) العدد ٣٢٤٩ السبت ١٢ آب ٢٠١٧

«بروست اللبناني»... هكذا يكنّونه في الإعلام الفرنسي. لكن شريف مجدلاني (1960) العاشق الكبير لكاتب «بحثاً عن الزمن الضائع» يرى أنّ «كلانا عكسنا تحوّلات المجتمع، لكنه أكثر نوستالجية إلى الزمن الماضي. أنا لست نوستالجياً، بل إنني أكثر انشغالاً بكيفية صعود المجتمعات، ومن ثم انهيارها». على مدى رواياته العديدة، أرّخ الكاتب اللبناني الفرنكوفوني تاريخنا المعاصر، استدعى الذاكرة، والمصائر الفردية المشرّعة على تمزقات التاريخ، والحروب الأهلية، والعنف والتحولات الكبرى في مرآة تحيلنا حتماً إلى الوطن الكبير.

العدد ٣٢٤٩

إنْ تَوَجَّب، عبر جدليّة مُخَاتِلَةٍ، أنْ يكون في النص — مُخرّب كلّ ذاتٍ — ذات ينبغي الوقوع في حبّها، فإنّها ذاتٌ مبعْثرةٌ، فيما يشْبه قليلاً الرّماد الذي تُذَرّيه الرياح بعد الموت (إزاء موضوعتي حُقِّ الرّماد والمسلّة التّذْكاريّة، باعْتبارهما جسمين قويّين، مغْلقين، مَعْلَمَينِ لِلْقَدَر، يمْكننا وضْع شظايا الذّكْرى، التّآكل الّذي لا يتْرك من الْحياة الْـماضية إلّا بضع ثنياتٍ): لو كنْت كاتباً وميّتاً، كمْ سأحبّ أن تخْتزل حياتي، بعناية كاتب سيرة ودود ومرح، في بضعة أذواقٍ، بضعة نزوعات، لنقل بضع «تفصيلاتٍ سيريّة» biographèmes، سيكون لفرادتها وحركيّتها أن تسافرا خارج كلّ قدرٍ وأنْ تأتيا لتلامسا، على طريقة ذرّات أبيقور، جسداً مسْتقْبليّاً ما، منْذوراً لنفس البعثرة. حياة مثْقوبة، في مجملها، مثلما أدرك بروست كيف يكتب حياته في مؤلّفاته. (رولان بارت: «ساد، فوريي، لويولا»، ضمن الأعمال الكاملة، المجلد 3، منشورات سوي، 1980، ص. 1405، ترجمة: ر.و.)

العدد ٣٢٤٩

(8 قصائد بالعربية)

صفحات الإبداع من تنسيق: أحلام الطاهر

ترجمة: أحمد عبد اللطيف

لو أحد طرق بابكِ

لو أحد طرق بابكِ، يا صديقتي،
وشيء في دمك خفق وتوتر،
وفي جذورك المائية، غدا
الينبوع المرتجف سائلاً منسجماً

العدد ٣٢٤٩

يهُبُّ نسيمُ العصاري فتهتاجُ في القلب أشواق خفيّة هشّة، هائمة وعنيدة، غامضةُ الـمقاصِدِ، لَكأن الأشواقَ والنسائم على قَران.
في العصاري كانت السيدةُ تُحاضِر في جَمْعٍ صغيرٍ من الناس، جالسين على عُشب حديقة، تحت أشجارٍ، وتقول إن لديها «وهْـماً غـلَّاباً» بشأن أجدر شخصيات الآداب والبطولة والفنون والحكمة والعرفانية والرحمة والسحر والعلوم إلخ إلخ، مَن نعرف مِنهم ومَن لا نعرف، «ليس جميعهم، إنما فقط الشخصيات التي استوت قشرتُها الصلبة حتى تقوَّست، وانشَّقت، وانفلقت فأفلتت ما فيها، وأفرغته بطائلٍ أو بغير»، ذلك أن «لهم دوامٌ في الوجود، فلا تخلو الأرضُ منهم، بأشخاصهم ذاتها»، وإنهم، وإنْ كانوا بالطبع يموتون، لكنما يُعادُ ظهورهم من جديد في كل جيل «تقريباً»، فيظهرون منتثرين في بقاع ونواحي الأرض، في أمكنتهم السابقة أو في سواها، وإنهم وإنْ كانوا يرجعون بالتأكيد، إلا أن بعضهم أو أحدهم قد «يمكث خاملاً بانتظار رَجةٍ تُنعِشُ رَجْعتَه».

العدد ٣٢٤٩

كثيراً ما مررت أمام تلك البناية العجيبة التي تقف ناظرة إلى الشمس تحرس تمثال «العلاّمة ابن خلدون» في صمته الأبدي، وتلقي على الشارع قداسة العصور الغابرة وهيبتها، دون أن يشجعني فضولي يوماً على اقتحامها.
وفي يوم، انهارت كل جدران المقاومة في داخلي، فوجدتني وجهاً لوجه مع الصلبان المعلّقة والأيقونات المضيئة المشدودة إلى جدران شاهقة عجيبة التكوين.

العدد ٣٢٤٩

أيها العالم
أغلق ترسانة أفواههم،
وفوهات المدافع،
واسمح
لعصفورة الروح
أن تكمل أغنية؛
أغنية واحدة
تمنىّ قابيل
أن يكتبها لنا،
بعد أن نبش له
الغراب.

العدد ٣٢٤٩

الحالة الفريدة في الكتابة لا يمكن تحديد زمنها أو تاريخها الأولي، وهذا دأب الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا (1888 ـــ 1935)، الصندوق السحري للكتابة، الذي دوَّن بأشكال وأسماء مختلفة عبر «حيواته» التي لا يمكن الإمساك بها لاختلافها وتعدّدها.
اليوميات دائماً ما تكون دالَّة على انشغالات الكاتب. لكن مع بيسوا تغدو التكهّنات مستحيلة. يمكن أن يكون بيسوا غافلاً عن شخصيته الحقيقيَّة. لكن ليس بهذه البساطة، يتخلّى الشاعر عن شاعريته وعن ذاته الشعريَّة، حيث ثمّة ما يمكن أن يدلّ على ذات الشاعر آنَ الكتابة.
في «يوميَّات» الذي انتقل إلى العربية عن «دار توبقال» ضمن سلسلة «ذاكرة الحاضر» وبترجمة من المهدي أخريف، مزيَّنة بلوحةٍ شخصيَّة رسمها الفنّان جوزي ألمادا نغريروس، يكون القارئ وجهاً لوجه أمام يوميَّات بيسوا الدقيقة، التي يشعر القارئ لوهلة أنّها عادية! لكن مع التقِّدم في القراءة، تغدو الأفكار الموجودة بين طيّات الكتاب كاشفةً عن وحيٍ ما. تعتبر هذه اليوميَّات التي نشرت للمرة الأولى بالبرتغالية عام 2007، تأريخاً لحياة الشاعر إبّان عودته من دوربان في جنوب أفريقيا، قبل مرحلة خلق الأنداد البيسويَّة، حيث توقّف عن كتابة اليوميات ليتفرّغ لعالمه المتعّدد الذي ربمّا اقتضى جهداً تأمليَّاً أرفعَ من كتابة اليوميَّات «رغم أنّ اليوميات هذه لا تقلّ دقَةً وشدّة ملاحظة من كتابات بيسوا الأخرى».

العدد ٣٢٤٩

الجميع يعرف مصطلح «الأقدام السُّود»، الذي كان يُطلق على المعمرين الأوروبيين الذي استقروا، على مدى أجيال، في شمال افريقيا، قبل ترحيلهم مع جلاء الاستعمار. لكن قلة نادرة فقط تعرف مصطلح «الأقدام الحُمر»، الذي أُطلق على فئة أخرى من الوافدين الأوروبيين. فئة سلكت منحى معاكساً تماماً. في الوقت الذي كانت فيه سفن الإجلاء المحملة بآلاف النازحين من «الأقدام السود» تحط الرحال في موانئ الجنوب الفرنسي، كانت آلاف أخرى من متطوعي «الأقدام الحُمر» تعبر نحو الضفة الجنوبية للمتوسط. يتعلق الأمر بمتطوعين يساريين (محامون، أطباء، مدرسون، مهندسون، كوادر إدارية...) انخرط أغلبهم في تأييد نضالات شعوب المستعمرات السابقة من أجل التحرر و«تقرير المصير». وكان منطقياً أن يتطلع هؤلاء، فيما بعد، للإسهام في دعم «معارك البناء الوطني» في الدول الفتية التي تحررت من نير الاستعمار.
استقطبت الجزائر القطاع الأوسع من تلك «الأقدام الحُمر». ولم يكن مردّ ذلك فقط الى الصدى العالمي لثورتها، التي شكّلت رأس الحربة في نضالات شعوب العالم الثالث ضد الهيمنة الغربية.

العدد ٣٢٤٩

في روايته «لا تركضي وراء الذئاب يا عزيزتي» (دار الرافدين ـــ 2017)، يفتح علي بدر عدسة كاميرته مسلطاً الضوء على مفهوم الثورة وأخبار الثوريين، الموضوع القديم والحديث. يفكك الروائي العراقي مفهوم هذه الثورة، ويوثق لأخبارها المحزنة في ذاكرة العراقيين، ومن عاصروا الثوريين، ليقتفي آثارهم ومصائرهم. يتجاوز كون السياسة موضوعاً جافاً للسرد الأدبي بالتفافه على الفكرة ليناقش قضية الإنسان، نتاجها وانعكاساتها.
بطلب من وكالة الأنباء «ام أي سي»، يكلَّف الراوي لتقصي أوضاع مجموعة من الثوريين الماركسيين أو التروتسكيين الذين غادروا بغداد في سبعينيات القرن الماضي والتحقوا بالثورة العالمية ضد المصالح الغربية – الامبريالية. يتدرج في الإضاءة على ثورة الأهوار المغيبة والمسحوقة التي قامت في منطقة الجنوب العراقية زمن حكم صدام، قبل قمعها وتصفيتها. أما من تبقى من أفرادها، فقد توزعوا في أصقاع الأرض، ومنهم مَن توجه إلى أديس أبابا حيث الأرض البكر، الحلم، النساء العاريات، الكوبرا والتمساح إبان حكم العقيد مغنيستو الذي أطاح بالإمبراطور هيلاسيلاسي، زمن انتصار الشيوعية فيها. هكذا، ينتقل مكان السرد والتطورات الدرامية إلى هذه البقعة لمتابعة سير الشخصيات.

العدد ٣٢٤٩

ينطلق اليمني أحمد الصيّاد في كل عمل روائي جديد له من قاعدة الحياة السياسية التي سارت حياته كثيراً على طرقاتها وزواريبها. لا بد من واقعة سياسية كي يمضي في كتابة رواية. وهذا إلى الحدّ الذي لا نعد فيه نُفرّق بين النص الروائي والوثيقة التاريخية أو الشهادة التي يدونها شخص حضر الوقائع وعاصرها وكان شاهداً عليها. هكذا يبدو الاستناد، في كل مرة، إلى واقعة بعينها كي يذهب في تكوين عمله السردي معتمداً، في أحايين كثيرة، على شخصيات مأخوذة من الواقع السياسي إياه، وإن جاءت مموهة قليلاً وبأسماء مُستعارة.
سنجد الصيّاد على هذه الحالة في باكورته الروائية «آخر القرامطة» (2004) التي حاول فيها مقاربة واقعة استشهاد رفيقه اليساري اليمني البارز جار الله عُمر الذي اغتاله طالب مُتطرف كان ينتمي إلى جامعة «الإيمان» التي يديرها رجل الدين الأصولي عبد المجيد الزنداني، أحد أبرز قادة الإخوان المسلمين (الفرع اليمني). وسيذهب عمله التالي «اليمن وفصول الجحيم» (2010) ـ الذي لم نعرف إن كان رواية أو سرداً في التاريخ - باتجاه واقعة «أحداث 13 يناير» في الجنوب اليمني، وهي واحدة من «عشرة أحداث هزّت العالم».

العدد ٣٢٤٩

عن إدوارد سعيد ولقائه بسارتر، دو بوفوار وفوكو *

عام ١٩٧٩، تلقى إدوارد سعيد (1935 ــ 2003) دعوة الى فرنسا من جان بول سارتر (1905 ــ 1980)، وسيمون دو بوفوار (1908 ــ 1986) من أجل موتمر حول السّلام في الشرق الأوسط. وجِّهت الدعوة لصاحب «الاستشراق» والمدافع الشرس عن القضية الفلسطينية مع غيره من المفكرين البارزين عقب اتفاقية كامب ديفيد التي أنهت الحرب بين مصر والكيان الصهيوني. قبيل المؤتمر، وجّه سعيد مديحاً مسرفاً لسارتر، حين سرد لـ «لندن ريفيو أوف بوكس» أوجه المغامرة الفكرية للفيلسوف الفرنسي: «سارتر ليس بالمفكر المتعالي أو المراوغ، ولو وقع أحياناً في الخطأ أو المبالغة.

العدد ٣٢٤٩
لَقِّم المحتوى